مجمع البحوث الاسلامية
433
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الوجه الثّاني : أنّ الإحرام شرع لازم لا يحتمل النّسخ قصدا ، ألا ترى أنّه إذا جامع امرأته حتّى فسد حجّه لم يخرج من إحرامه ، وكذلك لو فاته الحجّ حتّى لزمه القضاء والمرض ليس كالعدوّ ، ولأنّ المريض لا يستفيد بتحلّله ورجوعه أمنا من مرضه . وأمّا المحصر بالعدوّ فإنّه خائف من القتل إن قام ، فإذا رجع فقد تخلّص من خوف القتل . فهذا ما عندي في هذه المسألة على ما يليق بالتّفسير . ( 5 : 159 ) القرطبيّ : قوله تعالى : فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فيه اثنتا عشرة مسألة : الأولى : قال ابن العربيّ : هذه آية مشكلة ، عضلة من العضل . قلت : لا إشكال فيها ، ونحن نبيّنها غاية البيان ، فنقول : الإحصار هو المنع من الوجه الّذي تقصده بالعوائق جملة ، ف « جملة » أي بأيّ عذر كان ، كان حصر عدوّ أو جور سلطان أو مرض ، أو ما كان . واختلف العلماء في تعيين المانع هنا على قولين : الأوّل : قال علقمة وعروة ابن الزّبير وغيرهما : هو المرض لا العدوّ ، وقيل : العدوّ خاصّة ، قاله ابن عبّاس وابن عمر وأنس والشّافعيّ قال ابن العربيّ : وهو اختيار علمائنا . . . قلت : ما حكاه ابن العربيّ من أنّه اختيار علمائنا ، فلم يقل به إلّا أشهب وحده ، وخالفه سائر أصحاب مالك في هذا . وقالوا : الإحصار إنّما هو المرض ، وأمّا العدوّ فإنّما يقال فيه : حصر حصرا فهو محصور ، قاله الباجيّ في « المنتقى » . [ ثمّ نقل كلام الزّجّاج وأهل اللّغة في استعمال الحصر والإحصار وقال : ] قلت : ما ادّعته الشّافعيّة قد نصّ الخليل بن أحمد وغيره على خلافه . قال الخليل : حصرت الرّجل حصرا : منعته وحبسته ، وأحصر الحاجّ عن بلوغ المناسك من مرض أو نحوه . هكذا قال ، جعل الأوّل ثلاثيّا من حصرت والثّاني في المرض رباعيّا . وعلى هذا خرّج قول ابن عبّاس : لا حصر إلّا حصر العدوّ . وقال ابن السّكّيت : أحصره المرض ، إذا منعه من السّفر أو من حاجة يريدها ، وقد حصره العدوّ يحصرونه ، إذا ضيّقوا عليه فأطافوا به ، وحاصروه محاصرة وحصارا . قال الأخفش : حصرت الرّجل فهو محصور ، أي حبسته . قال : وأحصرني بولي وأحصرني مرضي ، أي جعلني أحصر نفسي . قال أبو عمرو الشّيبانيّ : حصرني الشّيء وأحصرني ، أي حبسني . قلت : فالأكثر من أهل اللّغة على أنّ « حصر » في العدوّ ، و « أحصر » في المرض . وقد قيل ذلك في قول اللّه تعالى : لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ البقرة : 273 . [ ثمّ استشهد بشعر ] وقال الزّجّاج : الإحصار عند جميع أهل اللّغة إنّما هو من المرض ، فأمّا من العدوّ فلا يقال فيه : إلّا حصر ، يقال : حصر حصرا ، وفي الأوّل أحصر إحصارا ، فدلّ على ما ذكرناه . وأصل الكلمة من الحبس ، ومنه الحصير : للّذي يحبس نفسه عن البوح بسرّه ، والحصير : الملك لأنّه